الديرة - الرمادي
يثير الغموض المطلق المحيط بشخصية المدعو "حسن الكردي" سيلا من علامات الاستفهام المشروعة في الشارع العراقي والأوساط الصحفية، متحولا إلى ما يشبه "اللغز" في منظومة الملاحقات القضائية والرقابية الحالية. ففي الوقت الذي تعج فيه المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي بأسماء وصور المتهمين في قضايا الشأن العام، يبرز اسم هذا الرجل كحالة استثنائية عصية على الفهم، حيث يفتقر السجل العلني لأي معلومات رسمية أساسية تكشف هويته الحقيقية، بدءا من اسمه الكامل، وتاريخ ولادته، وتحصيله الدراسي، وصولا إلى أصله وعشيرته وعنوان سكنه أو حتى طبيعة أملاكه والجهات السياسية والحزبية التي قد ينتمي إليها أو يتحرك بغطاء منها.
ولم يكن حسن الكردي مسؤولا حكوميا معروفا، بل كان يتحرك كـ "رجل ظل"، ولكن اسمه برز وتداولته الأوساط السياسية والإعلامية بقوة في خلال الأسابيع القليلة الماضية، وذلك بالتزامن مع توقيف وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي وتوسع التحقيقات القضائية في ملف عقود وتصفية المصافي النفطية (ومنها مصفى بيجي).
تحول الكردي إلى محور رئيسي في القضية بعد أن أفضت اعترافات الجميلي إلى كشف شبكة علاقات مالية معقدة كان يُديرها الأخوان (حسن ومحمد الكردي) باعتبارهما "البوابة الاقتصادية" والذراع المالي له.
وأقرت التحقيقات المرتبطة باعترافات الجميلي بأن حسن الكردي وشقيقه كانا يتوليان عملية استلام وتوزيع المبالغ المالية الطائلة (التي وصفت بأنها "عمولات" أو رشى ناتجة عن عقود النفط والمصَافي)، حيث كانت بحوزتهما مبالغ مخصصة لسياسيين وقيادات داخل العراق.
ونقل محامون اطلعوا على سير التحقيقات أن الكردي كان الوسيط الأساسي بين الجميلي ومثنى السامرائي، حيث قام بتسليمه مبالغ طائلة على دفعات، في اوقات متفرقة.
كما كشفت الاعترافات والتحقيقات اللاحقة عن تورط حسن الكردي في شبكة لتهريب ملايين الدولارات خارج الأراضي العراقية وغسيلها، بالتعاون مع أطراف أخرى يحمل بعضهم جنسيات أجنبية (مثل شوانه الكردي).
وأدت هذه الاعترافات إلى صدور مذكرات قبض قضائية وتدخل هيئة النزاهة بالتنسيق مع الإنتربول الدولي لملاحقة حسن الكردي بعد خروجه وفراره إلى دول أوروبية (من بينها فرنسا)، في محاولة لاسترداده واستعادة الأموال المهربة التي قُدرت بمئات ملايين الدولارات.
ويرى مراقبون هذا التغييب الكامل لأي أثر بصري أو رقمي لحسن الكردي، من صور ومقاطع فيديو أو صفحات على منصات التواصل الاجتماعي، يفرغ القضية من سياقها التقليدي ويجعل المتابع يتساءل بجدية عن الكيفية التي يعيش بها شخص داخل الدولة دون أن تظهر له وثائق ثبوتية معلنة كالتي يمتلكها بقية المواطنين، مثل البطاقة الوطنية، وجواز السفر، وبطاقتي السكن والتموينية، وصولا إلى بطاقة الناخب.
ويقول صحفيون يتابعون هذا الملف إن هذا الاختفاء الهيكلي للمعلومات لا يمكن تصنيفه كأمر عارض، لا سيما في بلد تعتمد فيه الملاحقات الجنائية على النشر المكثف لأوصاف المطلوبين والهاربين، ودعوة الرأي العام والجمهور للتعاون مع الأجهزة الأمنية للإبلاغ عنهم وتسهيل عملية إلقاء القبض عليهم، وهو ما غاب تماما في هذه الحالة المحيرة.
وتذهب القراءات التحليلية للمشهد إلى أبعد من مجرد غياب البيانات، لتطرح فرضية تزداد ثقلا بمرور الوقت، تتمحور حول ما إذا كان هذا الغموض مقصودا بحد ذاته لإيجاد مخرج يتيح تهريب الشخص المعني وتغييبه عن الأنظار لاحقا. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن طمس الملامح الشخصية والوجود القانوني والاجتماعي لـ "حسن الكردي" قد يكون خطوة مدروسة من قبل أطراف متنفذة، الهدف منها وضع سقف محدد للتحقيقات الجارية ومنعها من التدحرج إلى مستويات أعلى، بما يضمن بقاء الرؤوس الكبيرة خلف الستار بمجرد إغلاق الملف عند عتبة هذا "الاسم الشبح".