الديرة - الرمادي
نقل التهديد الناري الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما أعلن أن ألف صاروخ أميركي "جاهزة وموجهة" لضرب إيران فورا إذا تعرض لمحاولة اغتيال، الصراع المحتدم في المنطقة إلى حافة الهاوية.
وجاء هذا الوعيد المباشر مدفوعا بمعلومات استخباراتية شاركتها تل أبيب مع واشنطن، تتحدث عن مخطط إيراني "محدد وجديد" لاستهداف رأس الهرم السياسي الأميركي، مما يفتح الباب واسعا أمام تشريح حقيقة هذا المخطط، والدوافع الكامنة وراء التوقيت، والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل هذا الصدام الإقليمي.
وتعود خلفيات هذا الملف الاستخباراتي الساخن إلى معلومات مررتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لنظيرتها الأميركية، تفيد بأن قادة متشددين داخل الحرس الثوري الإيراني وضعوا خطة عملياتية جديدة لاغتيال ترامب، ردا على سلسلة الضربات الجوية الأميركية الأخيرة في الخليج، وكتنفيذ للوعيد التاريخي المستمر منذ مقتل قاسم سليماني عام 2020، والذي تجددت شعاراته بوضوح خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي مؤخراً برفع لافتات وهتافات صريحة تدعو للتخلص من ترامب. ورغم أن أوساطاً في المخابرات الأميركية تنظر بشيء من التحفظ والتدقيق لهذه المعلومات، معتبرة إياها تعبيرا عن "نوايا وتوجهات" الصقور في طهران أكثر من كونها خطة جاهزة للتنفيذ على الأرض، إلا أن ترامب التقط الخيط سريعاً ليوجه رسالة بالغة القسوة، واضعا الجيش الأميركي في حالة تأهب قصوى لمدة عام كامل قابل للتمديد لتدمير مفاصل الدولة الإيرانية بالكامل إذا ما جرى أي تحرك ضد حياته.
وفي قراءة خلفيات التوقيت، يرى خبراء في الشؤون الستراتيجية أن تسريب إسرائيل لهذه المعلومات وتلقف ترامب لها يحمل أبعادا تتجاوز الجانب الأمني البحت إلى الضغط السياسي المحض. فالتسريب جاء في وقت حساس جدا تشهد فيه المنطقة انهيارا تاما لاتفاق الهدنة المؤقتة في مياه الخليج بعد الهجمات على سفن الشحن في مضيق هرمز، وبينما يدور خلف الكواليس حراك دبلوماسي متعثر بوساطة قطرية وعُمانية للوصول إلى اتفاق نووي شامل، يبدو أن هناك أطرافا في تل أبيب، تزامنا مع رغبة صقور واشنطن وطهران، تسعى جاهدة لتقويض أي فرصة للدبلوماسية ودفع ترامب لتبني الخيار العسكري الشامل لإنهاء النفوذ الإيراني ومشاريعه النووية بشكل نهائي.
وأمام هذه المعادلة المعقدة، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة ومسارات مرشحة لرسم معالم المرحلة القادمة وفرص نجاح كل منها:
السيناريو الأول يتمثل في "نجاح الردع الصاروخي المتبادل والعودة إلى طاولة المفاوضات"؛ ويمتلك هذا المسار فرصة نجاح متوسطة إلى عالية، إذ أن تهديد ترامب الواضح بإبادة شاملة لإيران عبر "الألف صاروخ الأولى" قد يدفع القيادة الإيرانية الجديدة على منع الحرس الثوري من تنفيذ خطته، مما يمهد الطريق مجددا للوساطات الإقليمية لإنقاذ التفاهمات الدبلوماسية والالتزام بسقف زمني محدد لحل أزمة مضيق هرمز والملف النووي، سيما أن ترامب، برغم نبرته الحادة، يفضل دائما إبرام الصفقات على خوض الحروب الطويلة المنهكة اقتصاديا.
السيناريو الثاني يذهب باتجاه "الانزلاق نحو حرب الضربات المحدودة والمستمرة"؛ وفرص نجاح هذا السيناريو قوية جدا وتدعمها الأحداث الميدانية الحالية، حيث يمكن أن تعمد فصائل أو أجنحة متشددة محسوبة على طهران إلى مواصلة استهداف القواعد الأميركية في المنطقة أو السفن التجارية في الممرات المائية للضغط على واشنطن دون المخاطرة بمحاولة اغتيال مباشرة ضد ترامب، وهو ما سيرد عليه الجانب الأميركي بضربات جوية عنيفة تستهدف البنى التحتية العسكرية للحرس الثوري، مما يبقي الطرفين في حالة "حرب استنزاف تحت السيطرة" تضمن عدم الانهيار التام للهدنة وتسمح باستمرار المناورات السياسية.
السيناريو الثالث والأخطر هو "الانفجار الكبير والمواجهة الشاملة"، وهو مسار ذو فرصة نجاح منخفضة لكنها تظل قائمة وقاتلة، ويتحقق في حال حدوث خرق أمني حقيقي، لتتحول المنطقة برمتها إلى ساحة حرب مفتوحة ومباشرة وهو ما تتجنبه القوى الدولية الكبرى حاليا.