آخر الأخبار


من هو الرابح من معادلة "إعادة الأموال مقابل العفو"؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في الوقت الذي تشهد فيه البلاد واحدة من أوسع حملات ملاحقة الفاسدين، والتي توجت مؤخرا بصولة الفجر التي أطاحت بعشرات المتورطين من المسؤولين والنواب إثر اعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، أعاد مجلس القضاء الأعلى ترتيب أولويات الملاحقة الجنائية عبر إيضاح قانوني حاسم. 

ولم يكتف الإيضاح بكشف أسرار ملفي الأمانات الضريبية ومصافي الشمال، بل وضع اليد على المفهوم الأكثر إثارة للنقاش في الشارع العراقي وهو التسوية المالية المشروطة بالعفو المستند إلى القانون.


الموازنة بين العقوبة واسترداد الأموال


تتحرك المحاكم المختصة بمكافحة الفساد اليوم وفق ستراتيجية قائمة على هدفين متلازمين، الأول هو معاقبة المفسدين، والثاني وهو الأهم للمواطن والخزينة العامة يتمثل في إعادة أموال الدولة المنهوبة. 

وأقر القضاء صراحة بأن هذا الهدف الثاني يمكن تحقيقه عبر آليات مرنة يتيحها الدستور والقانون، وتتمثل في تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبة بحق المتهمين، شريطة أن يعيدوا ما سرقوه طوعا وبشكل كامل.

وكان المفهوم نفسه، قد ظهر جليا في قضية سرقة القرن الخاصة بالأمانات الضريبية، حيث تم إطلاق سراح المتهم الأساسي نور زهير بكفالة ضامنة مقابل إعادة المبالغ المترتبة بذمة شركتيه القانت والمبدعون والبالغة أكثر من 1.6 تريليون دينار عراقي. ورغم تعثر التسديد لاحقا وسفره للخارج وصدور حكم غيابي بحقه بالسجن عشر سنوات، إلا أن طلب محاميه مؤخرا بوضعه تحت مظلة قانون تعديل قانون العفو العام أثبت جدوى هذه المناورة القانونية، إذ بقي شموله معلقا ومرهونا بموافقة وزارة المالية باعتبارها الجهة المتضررة على آلية تسديد بقية المبالغ.


معادلة العفو


ويقسم التوضيح القضائي الأخير المتهمين بجرائم الفساد، سواء في ملف الأمانات أو قضية عدنان الجميلي وعدد من النواب، إلى فئتين بناء على تاريخ ارتكاب الجريمة.

تشمل الفئة الأولى الجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون تعديل قانون العفو، وهؤلاء يملكون فرصة قانونية حيث يمكن شمولهم بالعفو وتخفيف العقوبات عنهم بمجرد تسديد كامل المبالغ والتعويضات للوزارات المتضررة.

أما الفئة الثانية فتخص الجرائم المرتكبة بعد نفاذ قانون العفو، وهنا تكمن العقدة القانونية كون هذه الجرائم غير مشمولة بالقانون الحالي إطلاقا. ولأن القضاء والحكومة يدركان أن الإبقاء على الفاسد خلف القضبان دون استرجاع المليارات هو خسارة مضاعفة للدولة، يجري البحث والاتفاق حاليا بين رئيس مجلس القضاء ورئيس مجلس الوزراء لوضع خارطة طريق قانونية ودستورية جديدة، قد تتطلب تشريعا أو صياغة ملاحق خاصة تتيح تطبيق مفهوم التسوية وتخفيف الإجراءات بحق من يعيد الأموال طوعاً حتى للجرائم الحديثة.


العوائد المالية


ويرى مراقبون أن سجن الفاسد لسنوات طويلة يكلف الدولة مصاريف إيداع، بينما تظل الأموال مهربة في مصارف تائهة أو عقارات دولية صعبة الاسترداد، في حين أن التسوية تعني تدفقا فوريا لمليارات الدولارات وتريليونات الدنانير الكفيلة بدعم الموازنة العامة وتحريك المشاريع التنموية المتوقفة.

وقد تساهم هذه التسويات في تفكيك شبكات غسيل الأموال المعقدة. 

وتظهر قضايا مثل قضية الجميلي وارتباطاتها برجال أعمال هاربين كحسن الكردي المتهم بتهريب مئات ملايين الدولارات إلى الخارج صعوبة الملاحقة الدولية الطويلة، بينما تضغط التسوية المالية على الرؤوس الكبيرة لإعادة الأموال طواعية لتجنب الملاحقة الحمراء للإنتربول ومصادرة الأموال. كما أن التسوية تختصر الطريق القانوني والدبلوماسي الطويل المقترن بتنظيم ملفات الاسترداد ومتابعة العقارات المهربة في دول الجوار أو أوروبا، مثل العقارات المرصودة مؤخراً في دولة الكويت.

ويقول قانونيون إن توجه القضاء والحكومة نحو اعتماد مفهوم التسوية مقابل العفو أو التخفيف لا يعني الافلات من العقاب، بل هو خيار واقعي يملأ خزينة الدولة ويوفر مساحة واسعة لمواجهة العجز المالي واضطراب أسواق النفط في ظل الأزمة المستمرة في المنطقة.