الديرة - الرمادي
في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة، باتت المنشآت النفطية العراقية أهدافاً استراتيجية على مدى الأيام الماضية.
الهجمات المتكررة التي تشنها جماعات مسلحة على الحقول النفطية وخطوط الأنابيب والموانئ التصديرية لم تعد عمليات تخريبية عشوائية، بل هي أعمال منظمة ومتعمدة تحفر بصمت أخطر حفرة في جسد الاقتصاد العراقي.
رواتب الموظفين في خطر
يغفل كثيرون عن الخيط المباشر الذي يربط قصف المنشآت النفطية بحياة الملايين من العراقيين، فالعراق الذي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة من إيراداته العامة، يجد نفسه أمام معادلة بالغة القسوة وهي كل ضربة تطال حقلاً أو أنبوباً أو ميناء تصديرياً تعني مباشرة تآكلاً في القدرة على صرف رواتب نحو أربعة ملايين موظف حكومي وأكثر من ثلاثة ملايين متقاعد، هذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي محمد الجنابي.
ويقول الجنابي في حديث خاص لتلفزيون "الديرة"، إن "الخطر الأشد وطأة لا يتمثل في توقف الإنتاج مؤقتاً، بل في الضربة المزدوجة القادمة من الجانب القانوني الدولي، فالشركات الأجنبية العاملة في القطاع النفطي تملك في عقودها بنوداً صريحة تتيح لها المطالبة بتعويضات ضخمة عن الأضرار الأمنية، وفي حال عجز العراق عن السداد أو امتنع عنه، يصبح المسار التالي واضحاً، الاستقطاع المباشر من الودائع العراقية في البنك الفيدرالي الأمريكي التي تبلغ نحو 97.4 مليار دولار، وهو رقم يبدو ضخماً، لكنه بالغ الهشاشة أمام أي قرارات أو عقوبات سياسية دولية".
ويضيف :"ما حدث لأفغانستان ليس بعيداً، إذ جمدت ودائعها البالغة سبعة مليارات دولار، فانهار اقتصادها وضربت المجاعة مواطنيها"، متسائلاً :"فكيف سيكون الحال مع اقتصاد بحجم العراق إن سلك المسار ذاته؟".
الاختبار الأصعب
قد يواجه العراق أخطر مما هو يتعلق بالكارثة الاقتصادية، حيث يقول الخبير في الشؤون القانونية أسعد الباروني هناك مسؤولية قانونية دولية، فيمكن أن تحمل الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة عن هذه الهجمات، سواء بالدعم المباشر أو بالإهمال الواضح في منع وقوعها.
ويؤكد الباروني في حديث خاص لتلفزيون "الديرة"، أنه "في حال ثبوت هذه المسؤولية، قد تلزم بغداد بدفع تعويضات مالية طائلة على غرار ما دفعه العراق للكويت في أعقاب حرب الخليج".
ويتابع أن "السيناريو الأشد قتامة، يمكن لمجلس الأمن الدولي تصنيف هذه الأعمال تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بما يحمله من عقوبات وإجراءات ضاغطة، أما في الحد الأدنى، فعقوبات مالية مستهدفة للأفراد والمؤسسات الممولة لهذه الجماعات، وهي عقوبات كفيلة وحدها بزعزعة استقرار المنظومة المالية العراقية".
هروب الشركات الأجنبية
الباروني يكمل قائلاً إن "الخطر الثالث الذي يتشكل في صمت هو هروب المشغلين الأجانب الذين يمثلون العمود الفقري الفعلي لصناعة النفط العراقية، إذ تمتلك هذه الشركات في عقودها بنوداً واضحة تتيح لها الانسحاب الفوري بسبب اعتبارات أمنية، وحين تغادر فإنها لن تعود، وهو درس تعلمته ليبيا بالطريقة المؤلمة حين انسحبت الشركات الكبرى من قطاعها النفطي ولم تستعد عافيتها حتى اليوم".
ويبين أن "غياب هذه الشركات يعني توقف الخبرات التقنية، وتجمد المشاريع التوسعية، وانهيار الطاقة الإنتاجية تدريجياً، مما يحول الأزمة المالية الآنية إلى كارثة هيكلية مزمنة تمتد لعقود".
وبحسب مراقبون فأن أمام هذا المشهد الكارثي، لا تبدو الحلول المتاحة كثيرة، لكنها ضرورية وعاجلة، ويتعين على الحكومة العراقية تفعيل قوانين العقوبات والإرهاب المعطلة، ولا سيما المادة 163 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، والمادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، اللتين تجرمان استهداف المنشآت النفطية وتصلان عقوبتهما إلى الإعدام أو السجن المؤبد، فضلاً عن ذلك، يجب أن تبادر بتقديم احتجاج رسمي للأمم المتحدة يدين تدخل أطراف إقليمية في دعم هذه الجماعات، وبناء ملف قانوني دولي يثبت أن العراق ضحية لا شريك.