آخر الأخبار


ماذا يخفي الصمت الحكومي عن تفاصيل هجوم العرصات؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


حين يُقصف منزل في قلب بغداد، في منطقة العرصات، فإن الحدث يتجاوز كونه ضربة عسكرية محدودة. فالعواصم تشبه القلب في الجسد؛ وإذا اضطرب القلب، لم يعد الجسد قادراً على ادعاء العافية.


لقد أصبحت بغداد جزءاً من معادلة الصراع، وهي مركز الدولة ومختبر توازناتها. وعندما يصل القصف إلى هناك، فإن الرسالة تتجاوز المكان إلى ما هو أبعد؛ رسالة تقول إن خطوط الاشتباك بدأت تقترب من مركز القرار نفسه.


السؤال الذي يطرح نفسه بهدوء ثقيل: لماذا هذا الصمت الحكومي؟


بعد عدة ساعات من وقوع الهجوم الذي ترك آثارا كبيرة في منزل العرصات وسط بغداد، لم تكشف بغداد من هو المستهدف، ولا أي معلومة لها قيمة بشأن الهجوم، ما ترك الناس في حيرة.


في السياسة، لا يعني الصمت دائماً غياب الكلام؛ بل قد يكون أحياناً لغة كاملة، لغة يفهمها اللاعبون الكبار كلٌّ على طريقته. فهل هو صمت العجز؟ أم صمت الحسابات؟ أم محاولة لترك مسافة فاصلة بين الدولة وما تفعله الفصائل على الأرض؟


التجارب القريبة تعلمنا أن الحروب لا تبدأ دائماً بإعلان رسمي، بل بسلسلة من الإشارات الصغيرة التي تبدو في البداية معزولة، ثم يكتشف الناس لاحقاً أنها كانت بداية الطريق.


والخطر الأكبر في الحالة العراقية لا يقتصر على احتمال اتساع الاشتباك داخل عاصمته؛ فالبلد يقف أصلاً على أرض اقتصادية هشة: موازنة مثقلة، بطالة كامنة، وسوق يخاف من أبسط إشاعة. والحروب ـ كما يعرف الاقتصاديون قبل الجنرالات ـ أول ما تضرب ثقة الناس بالمستقبل.


لهذا يهمس بعض المراقبين بسؤال أكثر قلقاً:


هل يمكن أن ينزلق العراق، لا سمح الله، إلى مشهد يشبه ما شهدته كولومبيا، حين تحوّل السلاح من أداة صراع خارجي إلى لغة داخل المدن؟ إلى شوارع تتقاسمها الجماعات بدلاً من أن تحكمها الدولة؟

إن هذا البلد مرّ بما هو أشد، لكنه يذكرنا دائماً بأن أثمان الحروب تُدفع أولاً من حياة الناس البسطاء قبل غيرهم.


يبقى الأمل، وهو الأمل الذي يردده العراقيون كلما اقترب الخطر: أن تبقى بغداد مدينة للحياة لا ساحة للرسائل العسكرية، وأن يتذكر الجميع أن العراق، الذي تعب من الحروب، لا يحتمل حرباً جديدة.

اللهم أبعد عن هذا البلد الحرب والموت، وأبعد عنه كل من يرى في الخراب طريقاً إلى السياسة.