الديرة - الرمادي
في بغداد، انتشر مقطع مصوّر يُظهر إقبال الناس على شراء الفوانيس واللالات. لم يكن الفيديو مجرد توثيق لحركة سوق، بل كان انعكاساً لتفكيرٍ أعمق وحالةٍ نفسية تسكن وجدان مجتمع خبر الأزمات حتى صار يتوقعها قبل أن تقع.
فالمجتمع الذي عاش الحروب طويلاً لا يفكر بالمستقبل البعيد بقدر ما يفكر بالليلة القادمة: كيف سيضيء بيته إن انقطعت الكهرباء؟ وكيف سيخبز خبزاً لأطفاله إن ضاقت الأيام وعادت أصوات القصف؟
هكذا يتشكّل وعي المدن التي عاشت طويلاً في ظل القلق. فالعراقي، بعد سنوات من الحروب والانقطاعات والاضطرابات، صار يتعامل مع الاحتمالات كما لو كانت حقائق قريبة الوقوع. ولذلك لم يكن شراء الفوانيس في بغداد فعلاً استهلاكياً بسيطاً، بل كان تعبيراً عن ذاكرة جماعية ما زالت تسكنها احتمالات الظلام.
وفي الوقت الذي كانت فيه بغداد منشغلة بفوانيسها، كانت محافظة الأنبار تشهد تجربة مختلفة في إدارة الشأن العام.
فخلال سبعين يوماً فقط من أصل خطة المئة يوم التي أعلنها المحافظ عمر مشعان دبوس، بدأت تظهر سلسلة من الإجراءات والمشاريع التي استهدفت تحسين البنية الخدمية في المحافظة. فقد شملت الجهود بناء محطات كهربائية، ومعالجة الأعطال في الشبكات، واستكمال إنشاء مستشفيات جديدة، إلى جانب مشاريع إسكان تسعى إلى توفير مجمعات سكنية تليق بكرامة الإنسان الذي يعيش فيها.
ولم تقف تلك الجهود عند حدود البنى التحتية الكبيرة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية: حملات نظافة، ودعم للقطاع الصحي، ومعالجة لمشكلات المياه، وصيانة للإنارة في الشوارع، وحملات تشجير تسعى إلى إعادة شيء من الخضرة إلى مدن أنهكتها السنوات.
وقد اعتمدت إدارة المحافظة في تنفيذ هذه الأعمال أسلوب الجولات الميدانية، حيث تتحول الإدارة من مكتب مغلق إلى حضور مباشر في مواقع العمل، في محاولة لردم المسافة التقليدية بين المسؤول والمجتمع.
ولهذا يبدو أن المواطن في الأنبار اليوم أقل انشغالاً بفكرة الأزمة القادمة؛ ليس لأن الأزمات اختفت من المشهد العراقي، بل لأن شعوراً آخر بدأ يتشكل: شعور بأن الإدارة التي انتخبها الناس تفكر فعلاً في الوعود التي قطعتها، وتحاول تحويلها إلى واقع.
فالقيادة، في جوهرها، ليست مجرد موقع إداري، بل هي علاقة ثقة بين المجتمع ومن وضعوه في موقع المسؤولية. وعندما يشعر المواطن أن من يقوده يفكر في رفاهيته، فإن القلق الجماعي يتراجع قليلاً، ويبدأ المجتمع في التفكير بالحياة بدلاً من التفكير الدائم بكيفية النجاة.
هنا تظهر معادلة الحكم البسيطة التي كثيراً ما تغيب عن النقاش: رفاهية المجتمع وسلامته ومستقبله هي، في النهاية، انعكاس مباشر لرفاهية ضمير المسؤول.
أما القيادة التي تنغلق على نفسها وتتعامل مع السلطة كامتياز شخصي، فإنها لا تنتج سوى مجتمعات تعيش دائماً في حالة استعداد للأزمات، حتى لو لم تكن الأزمة قد بدأت بعد.